الضّبْعة
لضّبعة التي نعنيها ليست كبقية الضباع؛ فهي ضبعة ضخمة كبيرة الحجم، قبيحة بشعة المنظر ، وعلى الرغم ممّا تشتهر به الضباع من توحش ، إلا أنّ الضّبْعة - موضوعنا - هادئة، مطيعة ؛ فلا تمشي ولا تتحرك إلا بأمر راكبها .
يحكى أنه كانت في أحد أحياء الشارقة القديمة ، ضبعة ضخمة يمتلكها أحد السحرة، وعلى الرغم من أنّ («الضّبْعة)) كائن متوحش مفترس، إلا أنّ تلك (الضّبْعة)) كانت هادئة، مطيعة ؛ فلا تؤذي إلا مَن يتعرض للساحر بسوء وبأمر منه ، ولا تشرب، ولا تأكل أي نوع من أنواع الأطعمة، ويفسر الناس ذلك بأنّ الساحر يرسلها كلّ مساء إلى مكان مجهول لتأكل جثث الموتى .
وقد كان ذلك الساحر المذكور (صاحب ((الضّبْعة))) ، يعدّ كبير السحرة ورئيسهم في زمانه، وكان السحرة لا يقدمون على فعل أمر من دون استئذانه وأخذ مشورته، وكانوا يسمّون صاحبهم هذا ((شيخ السحّار)»، ويأتون إليه في أوقات معلومة كلّ عام ليقدموا له العطايا والهدايا ويظهرواله الولاء والطاعة ..
يقول الرّواة: إنّ ((شيخ السحّار» كان يخرج كلّ يوم في أوقات القائلة حينما تلتهب حرارة الشمس ويركب على ضبعته المخيفة (دبّاري))؛ أي بشكل عكسي : وجهه إلى مؤخرة ((الضّبْعة)) ومؤخرته إلى رأسها ، وعلى الرغم من أنّ هيئته تلك تبدو مضحكة ، فإنّ أحداً لا يجرؤ على الضحك عليه أو الاستهزاء به ، ومَن يجرؤ لا يسلم على نفسه ، وكان يطوف على البيوت والأزقة والمحال بكل ثقة وغرور، ومن دون أنْ يستطيع أحد أنْ ينطق ببنت شفة، وكان هو نفسه مخيف المنظر، جاحظ العينين، قبيحا، يحمل عصا في يده ويهش بها على المارّة في الطرقات، كأنه يبين للناس مهاراته ومواطن قوته، وبعدما يقوم بهذا العرض اليومي يعود إلى بيته، وهكذا دواليك : كلّ يوم يخرج ((شيخ السحّار))، ويقوم بجولته المعهودة ، ثمّ يعود .
وقد شاع أمر ذلك الساحر كثيراً في ذلك الزمان، وخاصّةً أمر ضبعته المخيفة، كما أنّ الغالبية كانت تجمع على أنّ مصدر قوة ذلك الساحر كان ((الضّبْعة)) ؛ إذ يُقال إنّ تطويع تلك «الضّبْعة) هو الأساس لسيادة ذلك الساحر؛ فهي من أعنف وأشرس مطايا الجن، ومَن يطوّعها يَحُز رضا كبير الجن، ويمده بقوى خارقة وقدرات رهيبة لا توصف، وهو ما استطاع ساحرنا الحصول عليه، كما أنه بفعله ذلك تمكن من أخذ عهود ومواثيق غليظة من الجن ؛ مساعدته على ما يريد، وتطويع الصعاب لأجله .