الشبيّه
يُوصف ((الشبيه))، بأنه شاب وسيم، حسن الخلقة، بهي الطلعة ، أنيق ، طويل نحيف، أبيض البشرة، مولع بالقراءة والاطلاع، محب لاقتحام الصعاب وكشف الغرائب، يحب الاختباء والتخفي عن الناس، خجول أكثر ما يكون من النساء .
وفي الجانب الآخر من شخصيته، هو قبيح الشكل ، كسيح معوّق ، لا يقوى على الحركة إلا بشكل محدود.
وهذه الشخصية الغريبة كان يمشي على أربع ، ويضع علباً من الصفيح في يديه حتى لا نتسخا، ويضع حول حافة كل علبة قطعا من القماش ، وهناك مَن يقول إنه كان يضع في يديه أواني فخارية تسمّى ((برام)) ومفردها ((برمة) ويمشي بهما .
كان في عجمان في ما مضى من أعوام، شاب وسيم الشكل ، حسن الخلقة ، بهي الطلعة ، أنيق ، حسن الهندام، طويل نحيف، أبيض البشرة، محب لاقتحام الصعاب وكشف الغرائب ، مولع بالقراءة والاطلاع، ومن أهم ما عكف على قراءته ومطالعته، كتب السحر والشعوذة، وكما هو معروف ، فإنّ أهم كتاب من هذا القبيل في الإمارات في ما مضى ، هو الكتاب المسمّى «كتاب الغزالي»، والمعنون ((شمس المعارف الكبرى))، أمّا الكتاب الآخر
الذي ينسب إلى الغزالي - أيضا - وكان يستخدمه المشعوذون، فهو كتاب «الخاتم السليماني والعلم الروحاني»، ومن الكتب الأخرى المشهورة في هذا الجانب ، «كتاب أبي معشر الفلكي الكبير)».
وقد دأب «الشبيه)» بعدما تشبّع بقراءة هذه الكتب وغيرها، على مجالسة المتعاملين بالسحر والشعوذة، وكان يتردد على بيوتهم، كما كان يتردد على البيوت التي كانت تعقد فيها جلسات الزار وجلسات استخراج الجن والشياطين من أجساد الناس ممّن استلبسوهم.
وحينما أدمن هذه الأفعال والممارسات الغريبة ، ابتعد عنه الناس ، وبدأ يتحاشاهم، كما بدؤوا يتحاشونه ويتحاشون الاختلاط به، وبعدما كان حلم الفتيات لشدة وسامته وحسن طلعته، أصبح بشعاً مخيفاً وغريباً عن جميع الناس .
ويحكي الرّواة، أنّ ((الشبيه)» بعدما أتمّ قراءة الكتب سالفة الذكر، وداوم على زياراته إلى بيوت السحرة وأرباب الشعوذة، انقطع عن الناس واعتزلهم، وسكن خرابة في أقصى المدينة، وبقي هناك مدة طويلة من الزمن، وكان يخشى النور، وخاف مخالطة الناس .
في تلك الفترة التي قضاها «الشبيه)) في الخرابة بعيداً عن الناس، تغيرت ملامحه ، وتحوّل من وسيم إلى بشع قبيح، ثم ما لبث أنْ أصبح مقعداً كسيحاً لا يقوى على المشي أو الحركة .
وقد شاع بين الناس الذين تناقلوا قصته وحكاياته ، أنه حينما انتقل إلى الخرابة . كما يقال بلفظ العامّة - ((استعرسته)) جنية؛ أي تزوجته فتاة من الجن ، وهي التي جعلت منه مسخا معوّقاً؛ حتى لا تتعلق به الفتيات الإنسيات، لكنه يتحوّل في المساء رجلاً صحيح البدن قوياً؛ حتى يتمكن من معاشرتها والعيش معها .
كما يقول بعضهم : إنّ («الشبيه» كان يعيش بشخصيتين: الأولى شخصية المعوّق البشع ،
وهي شخصيته في النهار ، والثانية شخصية الشاب الوسيم الأنيق القوي ، وهي شخصيته المسائية ؛ فالشخصية الأولى للناس، والثانية لزوجته الجنية .
وقد كان يتساءل الناس: أين تكون معاشرة ((الشبيه)) لزوجته الجنية؟ حتى علموا أنه يذهب معها إلى باطن الأرض في بيت جميل هو عش الزوجية الأرضي ، والذي بني لأجل زواجهما؛ فيعاشرها هناك.
الأكثر عجباً في حكاية ((الشبيه))، أنه لم يكن يعمل أو يحصل على دخل مادي يقتات منه ، لكنّ مائدته كانت عامرة بما لذ وطاب من الطعام والشراب ؛ فهو لا بدّ له من الأكل والشرب؛ لأنه في الأصل آدمي، ولا يمكنه الامتناع عن الغذاء حتى لو كانت له صلة بالجن ، وكان الناس يستغربون ذلك!
مَن يأتي (الشبيه)) بطعامه وشرابه؟ حتى علموا أنّ زوجته الجنية قد جعلت له خدماً من الجن يقومون على تلبية حاجاته وطلباته، ويخدمونه ويؤمنون له ما يحتاجه من طعام وشراب.
يقول أحد الرّواة : كنّا نمر ونجد السمك معلقاً على حبل بجوار كوخه، وقد تمّ تنظيفه وغمره بالملح ، لا نعلم مَن فعل ذلك! فهو لا يقوى على ذلك، كما أنّ هذا العمل يحتاج إلى غير شخص لفعله ، وهو ما كان محيراً لنا.
وقد شاع بين الناس ، أنّ ((الشبيه)) لم يقف في علاقته عند ذلك الحد، بل أنجب من الجنية بنين وبنات، وهم يعيشون معه في كوخه الذي ابتناه لنفسه بجانب السدرة الكبيرة، وأنّ القطط التي تحوم دائماً حول كوخه هي أبناؤه وبناته.
يقول أحد الرّواة: كنّا نمر من جنب كوخه - أحياناً - فنسمعه يتكلم مع (أغراب) بلغة غريبة لا نعلمها، ثمّ يتوقف عن الكلام ، ويفتح باب الكوخ؛ فلا يخرج منه غير القطط ؛ فنعلم أنه
كان يكلمها؛ أي كان يكلم أولاده بلغتهم - الجنية - التي يفهمونها .
«الشبيه)) حقيقة وخرافة في الوقت ذاته؛ فهو حقيقة من ناحية وجوده المكاني والزماني وتعاملاته السحرية المشبوهة واتصاله بعالم الجن بشكل أو بآخر، وخرافة بما أضيف إلى حكايته من فترة إلى أخرى، وممّا لا يصدقه العقل ولا يقرّه المنطق ، لكنْ يبقى ((الشبيه))
إبداعاً للمخيلة الشعبية الإماراتية، وتكويناً جميلاً في الأدب الشعبي من التراث الثقافي لدولة الإمارات العربية المتحدة .